20.8 C
Sanaa
الجمعة, سبتمبر 30, 2022

اخر الاخبار

الاستفتاء

حالة الغفلة والنسيان وخطورتها

الاكثر قراءة

الآخرون الذين هم في حالة غفلة، وحالة نسيان، ينتج عن ذلك استهتار من جانبهم، وتهاون في أعمالهم، في أقوالهم، في تصرفاتهم، تعرض عليهم الأعمال العظيمة، الأعمال المقربة إلى الله، الأعمال التي هي جزءٌ أساسيٌ من التزاماتهم الإيمانية والدينية،.
التي لا بدَّ منها في نجاتهم، في فوزهم، في الخير لهم في الدنيا والآخرة، فلا يبالون، ولا يستجيبون، تغلب عليهم حالة الإعراض، يحذرون من المعاصي، من الذنوب، سواءً ما هو منها انتهاكٌ لحدود الله، والمحرمات التي حرمها الله، أو إخلالٌ بواجباتهم ومسؤولياتهم التي عليهم القيام بها؛ لأن الله أمرهم بها، ودعاهم إليها، وهي جزءٌ من الالتزامات الإيمانية والدينية، فلا يبالون، لا يستجيبون، لا يهتمون، لا يتفاعلون، قلوبهم قاسية، ذهنياتهم متبلدة، حالة الغفلة والإعراض هي المسيطرة عليهم، حالة الانصراف الكلي نحو أهوائهم ورغبات حياتهم، التي هي متاعٌ قليل، ومتاعٌ زائل، هي المستحكمة عليهم، استحكام حالة الغفلة التي عبَّر عنها القرآن الكريم: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}[الأنبياء: من الآية1]، فتأتي معها حالة الإعراض.

من الحقائق المعروفة لدينا جميعاً، لدى كل البشرية جمعاء: أن حياتنا هنا في هذه الدنيا هي حياةٌ مؤقتة، مهما كان إعراض الإنسان وغفلته، واتجاهه في اهتماماته بشكلٍ كلي نحو شؤون هذه الحياة فحسب، مع غفلة عن أن اهتمامه بالحياة الأخرى هو لمصلحته في هذه الحياة، وفي تلك الحياة، يعني: لا يحتاج صلاح حياتك هنا في الدنيا إلى أن تتجاهل أمر الآخرة، هناك ترابط ما بين الحياة الدنيا والآخرة، تذكرك للآخرة تستقيم به حياتك هنا في الدنيا، والخلل الكبير، والتجاوز، والانتهاك للمحرمات، والإعراض عن الله، وعن منهجه، وعن هديه، عواقبه سيئةٌ لك في الدنيا، وعواقبه خطيرةٌ جداً عليك في الآخرة.

نحن في هذه الحياة في حياةٍ مؤقتة، نعيش فيها بأجل، وهذه مسألة نعرفها جميعاً، وهي حياة مسؤوليةٍ واختبار، تأتي الحياة التي هي جزاء، إما جزاء خيرٍ خالصٍ دائمٍ على أرقى مستوى، أو حالة عذابٍ شديدٍ دائمٍ أبديٍ على أشد مستوى، التي خيرها خالص وشرها خالص الحياة الآخرة؛ أما هذه الحياة فهي ميدان مسؤولية، وميدان اختبار وميدان عمل.

ونخضع في حياتنا هذه لرقابةٍ دائمةٍ من الله “سبحانه وتعالى” وملائكته، فلا يغفل عنا الله ولا للحظةٍ واحدة، ولا يغفل عنا ملائكته الذين من مهامهم الأساسية: الرقابة المستمرة علينا، وتوثيق كل أعمالنا وتصرفاتنا وأقوالنا، كما قال الله “سبحانه وتعالى” في القرآن الكريم: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 16-18]، رقابة دائمة في ليلنا ونهارنا، في كل أحوالنا، في خلواتنا واجتماعاتنا، أينما كنا، أينما ذهبنا، أينما انتقلنا، في رقابة مستمرة، توثق فيها كل أعمالنا، كل تصرفاتنا؛ لأن هذه الحياة هي ميدان مسؤولية، الله “سبحانه وتعالى” قال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[الملك: من الآية2].

ثم تنتهي هذه الحياة، نهاية هذه الحياة بالموت، الموت هو نهاية لهذه الحياة، وهو إقفالٌ لملف العمل، لملف عملك، إقفالٌ له على ما فيه من عملٍ صالحٍ تفوز به، أو عملٍ سيءٍ وتقصيرٍ وتفريطٍ يسبب لك الخسران والهلاك، والموت أيضاً هو نهايةٌ حتميةٌ للفرصة، لا فرصة بعده أبداً، الفرصة الوحيدة التي أتاحها الله لك هي هذه الأيام التي أنت تعيش فيها، هي هذه الحياة المؤقتة، التي لها أجلها، وستنتهي، وأنت لا تعلم متى هي النهاية، متى يأتيك الموت، متى ترحل من هذه الحياة، لا تعرف ذلك، ليس هناك وقتٌ محددٌ بالنسبة لك، تعرف أن حياتك ستنتهي عنده، كل يومٍ يمكن أن يكون هو اليوم الأخير من حياتك، وكل ليلةٍ من الممكن أن تكون هي الليلة الأخيرة من حياتك، ولذلك من المهم أن يكون الإنسان في جهوزيةٍ مستمرة، في استعدادٍ مستمر، فإذا رحل في أي يومٍ من الأيام، في أي ليلةٍ من الليالي، كان جاهزاً؛ أما إذا كان الإنسان في حالة غفلة، فهي الحالة الخطيرة.

ويؤكد الله لنا ويذكرنا بهذه الحقيقة التي نراها في واقع حياتنا، ونرى في كل يوم كم أن هناك القوافل من البشر الذين يرحلون من هذه الحياة، فيقول الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، كل نفس، لا أحد يستطيع أن يرد ذلك، أن يدفع ذلك، أن يمنع عن نفسه ذلك، أن يستثني نفسه من ذلك، أن يُحَصِّن نفسه من ذلك، أياً كان الإنسان، لا ملك، ولا زعيم، ولا… مهما كانت إمكاناته، قدراته، ذكاؤه، مهما كان يمتلك من العلاقات، من التأثيرات، لا شيء يمكن أن يدفع عنه ذلك.

ولذلك يقول الله “سبحانه وتعالى”: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[الواقعة: 83-87]، ولا يستطيع الناس هم أن يدفعوا عن أحدٍ ذلك، مهما كان عزيزاً لديهم، أو مهماً لديهم، لا يستطيعون أن يمنعوا عنه ذلك.

فالإنسان يجهل موعد رحيله من هذه الحيلة، موعد موته، موعد نهاية هذه الحياة، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}[لقمان: من الآية34]، لكن الخطر الكبير عندما تستحكم حالة الغفلة لدى الإنسان، فلا ينتبه من غفلته تلك إلا حين يأتيه الموت، كان في حالة غفلةٍ وإعراض، ولا مبالاة، ولا اهتمام، فتفاجأ عندما أتى موعد الرحيل وهو في حالة غفلةٍ مستحكمة تامة، لم تنفع فيه في هذه الحياة حالة الأحداث والتقلبات والمتغيرات التي فيها العظة والعبرة، لم ينفع فيه أنه يشاهد ويعلم عن الكثير ممن يرحلون، قد يكون بينهم من أقاربه، من أحبائه، من أهل بلاده ممن يعرفهم، فلم يتذكر بذلك، ولم ينتفع بذلك، ولم يلتفت إلى ذلك، لم تنفع فيه المواعظ، لم ينفع فيه التذكير بهدى الله، بآيات الله “سبحانه وتعالى”، لم ينفع فيه ما كان يمر به أحياناً، الإنسان أحياناً يمر بحالات مرضية مثلاً، أو حوادث، يكون فيها تذكيرٌ له، يوشك فيها على الرحيل من هذه الحياة، يحسُّ فيها أحياناً بخطر الموت، بخطر الوفاة، بتهديدٍ مباشرٍ على حياته، فيعود إلى غفلته التامة، وعدم اهتمامه نهائياً، ثم عندما أتاه الموت بشكلٍ حقيقي، بشكلٍ نهائي،

أصبحت المسألة مسألة جدية ولا مناص من ذلك، ينتبه حينئذٍ، ولكن بعد فوات الأوان، حالة خطيرة على الإنسان ألَّا ينبهه في البداية إلا أمر الموت، ألَّا ينتبه إلا بعد فوات الأوان نهائياً، هذه حالة تحصل للكثير من الناس، تحصل للكثير من الناس، حينها تكون بدايةً للتحسر، بدايةً للعذاب النفسي، انتباهاً إلى حجم الفرصة التي فوتت، وحجم الخسارة التي حدثت، فالله يذكرنا بذلك، فيذكر ذوي الغفلة: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا}، عندما جاءت سكرة الموت، {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}[ق: الآية19]، هذه الحالة: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}[ق: الآية22]، ينتبه الإنسان، يتذكر في تلك اللحظة الحرجة جداً، يصل إلى أعلى مستوى من التذكر والانتباه والاهتمام، ويدرك أهمية المسألة، ولكن بعد فوات الأوان.
المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد عبد الملك بدرالدين الحوثي 1443 هـ – 2022 م